محمد رأفت سعيد

99

تاريخ نزول القرآن الكريم

تربية عملية وتوجيه للنبي صلّى اللّه عليه وسلم ولأمته أن تكون صلتهم بما نزل إليهم مستمرة فبهذا الذكر حياتهم ، وعطاء القرآن الكريم لهم عطاء متجدد ومستمر فعليهم أن يتعاهدوه بالترتيل والتدبر لينتفعوا به ، ولتقوى به نفوسهم . ومن المدعمات كذلك وضوح الرؤية أمام الإنسان ليقدر الأمور على حقيقتها وليهيئ نفسه على حجمها ، ولا يفاجأ بما لم يحسب له حسابا : إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ( 5 ) وقيل في هذا الوصف خمسة أقوال : أحدها : أنه يسمى ثقيلا لما كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يلقاه من الشدة عند نزول الوحي عليه ، حتى أن جبينه ليتفصد عرقا في اليوم الشديد البرد ، وقد كان يثقل جسمه - عليه الصلاة والسلام - بذلك حتى إذا أوحى إليه وهو على ناقته بركت به ، وأوحى إليه وفخذه على فخذ زيد بن ثابت فكادت أن ترض فخذ زيد . الثاني : أنه ثقيل على الكفار بإعجازه ووعيده . الثالث : أنه ثقيل في الميزان . الرابع : أنه كلام له وزن ورجحان . الخامس : أنه ثقيل لما تضمن من التكاليف والأوامر والنواهي ، وهذا الوجه الأخير اختيار ابن عطية « 1 » . ومن دعائم بناء النفس المسلمة وضع الأمور في مواضعها فالنهار مجال للتصرف في الأشغال ، والليل للسكن والعبادة الصافية . ومن المدعمات ذكر الله سبحانه ، فبه تطمئن القلوب ، وتقوى العزائم ، ويتجدد الأمل ، وفيه التبتل وهو الانقطاع إلى الله ، والإنابة إليه أي تخليص القلب من التعلق بالخلائق رغبة ورهبة وعملا . وفيها التوكل على الله وتفويض الأمر كله إليه ؛ فهو الحافظ والمدبر للأمور كلها : رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ( 9 ) . ومنها الصبر على أذى الأعداء في أقوالهم وأفعالهم ، فلا تتأثر النفس بقول العدو ولا ينبغي أن يؤثر فيها . ومنها الهجر الجميل للعدو ، حيث اقتضت المصلحة الهجر الذي لا أذية فيه بل يعاملهم بالهجر والإعراض عن أقوالهم التي تؤذيه ، ويستمر في دعوتهم وجدالهم بالتي هي أحسن .

--> ( 1 ) التسهيل لعلوم التنزيل 4 / 296 ، 297 .